عبد الملك الجويني
328
الشامل في أصول الدين
أنها أرادت بإشارتها أن إلهي من دبّر السماء ورفعها بغير عمد ؟ فإن قيل : فلم خصصت السماء والعالم بأسره مدبر بتدبير اللّه ؟ قلنا : لو خصص بعض الناطقين استدلاله على الإله ببعض المخلوقات ، لما كان عليه معترض . كيف وقد اشتمل حجاج القرآن في بعض الآي على تخصيص بعض المخلوقات بالذكر ، فلا معترض إذا في مثل ذلك . على أنها ربما علمت أن عبدة الأصنام يسندون تدبير الأرض إلى الأصنام ، ليس فيهم من يعترف بإله السماء . فعنت بإشارتها ما لا يتوهم به تدبير الأصنام لتوضيح أنها ليست من عبدتها . فإن قال قائل : فما وجه كلامكم في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لها : أين اللّه ؟ قلنا : في ذلك وجهان : أحدهما : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كلمها على ما قدرها عليه ، وحسبها معتقدة له ، كما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأم جميل : كم تعبدين من إله ؟ قالت خمسة . وإنما يسأل عما يتوقع تعدده . ولا يجوز حمل [ كلام ] « 1 » رسول صلّى اللّه عليه وسلّم على توقع العدد ، فكذلك لا يحمل سؤاله على توقع المكان . ولكن سلك بمثل هذا الكلام مسلك الاستنطاق بالحق والاستكشاف عن المعتقد . وهذا نحو قوله تعالى : أَيْنَ شُرَكائِيَ [ النحل : 27 ] ، فليس المراد به تثبيت الشركاء ، ولكن المراد به استنطاق المشركين بما يخزيهم ويفضحهم على الملأ الأعظم . على أنا نقول : لا بعد [ في ] « 2 » إطلاق أين ، من غير قصد التعرض للمكان اتساعا في الكلام وتجوزا . إذ قد يقول القائل : أين هذا الحديث من هذا الحديث . وليس القصد منه تباعدهما بمكانين ، وأمثلة ذلك تكثر . فكأنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : أين موقع معرفة اللّه منك ؟ والدليل عليه ما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قيل له : أين اللّه ؟ فقال : ليس لمن أيّن الأين أين . وقد يروى ذلك مرفوعا عن عليّ رضي اللّه عنه فظهر سقوط استدلالهم . فإن قيل : فما وجه العروج بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لو لم يكن في عروجه أمارته ؟ قلنا : هذا مبلغ منكم إلى الكفر بظن ، وتخمين « 3 » ، وحدس « 4 » . فإن ما يجوز القرب منه بالذات ، فهو متحد ومتناهي الأقدار ، ولا يجتزئ على اعتقاد ذلك بالظنون والتجويزات إلا منهمك في الجهل .
--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق . ( 3 ) التخمين : القول بالحدس . ( 4 ) الحدس : الظن والتخمين والفراسة ، ( في الفلسفة ) : المعرفة الحاصلة في الذهن دفعة واحدة من غير نظر أو استدلال عقلي .